عبد الوهاب الشعراني

313

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

( فإن قلت ) : فلم أمر الناس بالسجود على هذا الحجر وتقبيله والتبرك به ؟ ( فالجواب ) : إنما أمروا بذلك ليكون كفارة لهم من خطاياهم فظهرت سيادته بذلك وحصل به تمييز القائم بآداب العبودية والمخل بالقيام بها ، فإن بني آدم ربما زهوا بالصورة التي خلقوا عليها وبالكمالات التي خلعها الحق عليهم على ما سواهم فأمرهم الحق تعالى بالسجود إلى جهة الجماد الذي هو الكعبة مع أنه أنقص رتبة منهم ، فمنهم من أطاع فرضي اللّه تعالى عنه ، ومنهم من عصى فسخط اللّه عليه . ( فإن قلت ) : قال القوم : إن حصول معرفة اللّه عز وجل للعبد تمنعه من الوقوع في معصية اللّه وآدم عليه الصلاة والسلام ، من رؤوس العارفين باللّه عز وجل فكيف وقع في أكله من الشجرة . ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب السابع ومائتين : أن المعرفة تمنع العارف بلا شك . ولكن إذا أراد اللّه تعالى أن يوقع أحدا من الأكابر فيما قدره عليه لحكمة سبق بها علمه فلا بد أن يزين اللّه تعالى له الوقوع في ذلك بتأويل يقع له فيه وجه الحق ولا يقصد بذلك العمل انتهاك الحرمة كما وقع لآدم عليه السلام ، ثم إذا وقع ذلك المقرب في المعصية بذلك التأويل أظهر اللّه له فساده فإذا تحقق بعد الوقوع أنه أخطأ علم أنه عصى فعند ذلك يحكم عليه لسان الشريعة بأنه عصى ويشهد على نفسه عند نفسه أنها عصت وأما في حال وقوع الفعل منه فلا لأجل شبهة التأويل فهو كالمجتهد في زمان فتواه بأمر ما اعتقادا منه أن ذلك عين الحكم المشروع في المسألة ، وفي ثاني الحال يظهر له بالدليل أنه أخطأ فيكون لسان الظاهر يحكم عليه أنه أخطأ في زمان ظهور الدليل لا قبل ذلك . ( فإن قلت ) : فهل تكون عقوبة العارفين على الذنب أشد أم عقوبة الجاهلين ؟ ( فالجواب ) : أن عقوبة العارفين باللّه تعالى أشد لشدة اعتناء الحق تعالى بهم وربما كانت زلة العارف ترجح على سبعين زلة من زلات الجاهل ولو لم يكن من عقوبة العارف إلا ما يحصل عنده من الاستحياء والخجل لكان ذلك كفاية بل ربما كان ذلك الخجل أشد على